المرحوم العقيد بالحرس الوطني الشاذلي العيوني
المرحوم العقيد بالحرس الوطني الشاذلي العيوني
المرحوم العقيد بالحرس الوطني الشاذلي العيوني
فقدت تونس أحد رجالاتها الأبرار، المرحوم العقيد بالحرس الوطني الشاذلي العيوني، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 93 عامًا، بعد مسيرة استثنائية حافلة بالتضحيات والعطاء في سبيل الوطن، سواء في ساحات المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، ولا سيما في معركة الجلاء ببنزرت وملحمة ساقية سيدي يوسف، أو خلال مرحلة بناء دولة الاستقلال الحديثة.
كان الفقيد من أبرز الضباط الذين ساهموا في ترسيخ دعائم الدولة الوطنية، إذ أشرف على اللجان التونسية-الجزائرية المشتركة لترسيم الحدود، وأسهم إسهامًا محوريًا في تركيز جهاز الحرس الوطني، قبل أن يضطلع بمهام التفقدية العامة لسنوات طويلة أثمرت جهازًا أمنيًا محترفًا، عُرف بالكفاءة العالية في مكافحة الجريمة المنظمة والتصدي للإرهاب، وحماية الاستقرار العام.
عُرف المرحوم بجدّيته الصارمة، وإحساسه العالي بالمسؤولية، ووفائه المطلق للوطن والراية الوطنية، فضلًا عن ثقافته الواسعة ووعيه الفكري العميق. وقد تُوّج هذا الجانب بتأسيسه لمجلة الحرس الوطني، التي جعل منها منبرًا علميًا وفكريًا رصينًا عبر افتتاحياته وكتاباته المتعددة في الشأن الأمني والقانوني والثقافي، فاستحق بذلك أن يُعدّ من أبرز بناة الدولة الوطنية الحديثة ومن رجالات الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذين أُوكلت إليهم أعظم المهام الوطنية.
وإلى جانب مسيرته الرسمية، جمع الكاتب بالمرحوم، إضافة إلى وشائج القرابة التي يعتز بها، تعاونٌ علمي مثمر عندما كان الفقيد مشرفًا على مجلة الحرس الوطني ومحررًا لافتتاحياتها؛ إذ كان يتمتع برجاحة عقل نادرة، وانفتاح فكري واسع، وإيمان عميق بالإبداع والبحث العلمي، مما جعل المثقفين يتطلعون للنشر في تلك المجلة لما بلغته من مكانة مرموقة.
وكان من بين تلك المحطات العلمية البارزة تشجيعه لنشر دراسة قانونية أُعدّت في أواخر الثمانينات حول موضوع بالغ الحساسية آنذاك في الغرب: “عقود استئجار الأرحام”، حيث حرص المرحوم على الانفراد بنشرها تحقيقًا لسبق علمي للمجلة، وهو ما تحقق فعلًا، إذ لقي العدد صدى واسعًا واعتُبر لاحقًا مرجعًا أكاديميًا أسهم في فتح نقاش فقهي وقانوني معمّق داخل تونس.
وقد تجلّت فطنة الرجل وذكاؤه وسعة اطلاعه في حسن انتقائه للمواضيع البحثية والمقالات المنشورة، وفي حرصه على جعل المجلة ترقى إلى مصاف النشريات الأكاديمية، فنجح في إحداث نقلة نوعية في خطها التحريري، ورسّخ تقليدًا علميًا رصينًا ظلّ أثره قائمًا لسنوات.
ولم يكن المرحوم بعيدًا عن مسقط رأسه مدينة مساكن، التي ظلّ يحمل لها في قلبه محبة خاصة واعتزازًا كبيرًا، متابعًا لشؤونها، فخورًا بأبنائها، ومؤمنًا بدورها في التاريخ الوطني، فكان مثالًا للابن الوفيّ لأرضه وأهله.
وترك الفقيد وراءه ذرية صالحة ساروا على نهجه في القيم الوطنية والأخلاق الرفيعة، فكان نعم الأب والمربّي، وغرس فيهم حب الوطن وخدمة الصالح العام.
رحم الله العقيد بالحرس الوطني الشاذلي العيوني رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن تونس خير الجزاء، وألهم أهله وذويه، وأسرة الحرس الوطني، والشعب التونسي جميل الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون آمين .
المصدر : الاستاذ فتحي لعيوني