doura.jamel@gmail.com +216 20 501 000 www.planificateur.tn

الفريق حسن مقرون

الفريق حسن مقرون

الجنرال حسن بن عمر بن علي المڤرون، أحد أبرز رجالات الدولة الحسينية، وعلَمٌ من أعلام مدينة مساكن خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وُلد في العقد الأخير من ذلك القرن بين أهله وعشيرته، فنشأ على مكارم الأخلاق والاستقامة والعمل الصالح، وهو ينحدر من واحد من بيوتات الشرف المعروفة في مساكن.

اختير في شبابه للانخراط في الجيش النظامي أسوةً بكبار الأعيان، فأقبل على تعلم الصناعة الحربية بجدّ واجتهاد حتى صارت له ملكةً وطبيعة. وبفضل التفاني والنزاهة والانضباط والقدرة القيادية، تدرّج في الرتب إلى أن بلغ رتبة أمير لواء، وهي من أعلى رتب الجيش الحسيني.

نال تقدير المشير أحمد باي الذي أهداه القصر الذي بناه الوزير شاكير صاحب الطابع في مساكن، اعترافًا بخدماته للدولة. كما كانت له علاقة احترام وتقدير من كبار رجال الدولة وعلى رأسهم خير الدين باشا.

وفي فيفري 1862 عُيّن حسن المڤرون محافظًا أوّلاً على العاصمة تونس بإشارة من الوزير خير الدين، فشهدت الحاضرة خلال ولايته نظامًا صارمًا وأمنًا راسخًا بفضل حزمه وعدله. وقد عرف له المؤرخون موقفه الشهير حين أنقذ العاصمة من فتنة كادت تؤدي إلى فوضى ونهب وسفك دماء، فكان تدخله الحاسم سببًا في حفظ الأمن واستقرار البلاد، حتى أثنى عليه الباي وسكان العاصمة جميعًا.

وخلال أحداث سنة 1864 في الساحل، أُرسل إلى مسقط رأسه مساكن في مهمة صعبة أراد من خلالها إصلاح ذات البين، غير أن اشتداد الاضطرابات حال دون ذلك، فغادرها ليلاً نحو سوسة ثم إلى العاصمة. وبعد اشتداد مكائد خصومه، اضطر إلى اللجوء إلى قنصلية بريطانيا ثم الخروج إلى طرابلس فمصر رفقة أخيه أحمد، حيث أقام خمس سنوات.

استدعاه الصادق باي بعد أن أمّنه، فعاد إلى تونس مدفوعًا بحب الوطن. وولّاه قيادة جهة بنزرت حيث بسط الأمن وحقق الاستقرار طوال سنتين، ثم طلب إعفاءه لكبر سنه وتراجع صحته.

وفي أواخر حياته ابتلي بمرض خطير استوجب قطع إحدى ساقيه دون تخدير، فدهش الأطباء من صبره وثباته. واستمرّ على جلال هيبته وصفاء سيرته حتى توفي في ماي 1872. أراد أخوه دفنه في تربة العائلة بمساكن، لكن الباي منعه مخافة تغيّر الجثمان بحرّ الصيف، فدُفن في مقبرة السلسلة بالعاصمة مثل سائر كبار رجال الدولة.

وحسب ترجمة ابن أبي الضياف(قدم رئيسا على ضبطية الحاضرة، فزانها وضبطها ورتب أسباب الأمن والراحة، فقصرت الأيدي العادية وأمنت الساحة، وكان تقدمه لهذه الرئاسة في شعبان سنة 1278 ثمان وسبعين ومائتين وألف (فيفري1862م) بإشارة الوزير المنصف أبي محمد خير الدين[2]، وكانت ولايته من ألطاف الله بهذا القطر. وذلك أنه في فتنة الاثنين والسبعين والهرج الذي وقع في البلاد، وكانت سفن الفرانسيس يومئذ بحلق الوادي، وطلبوا النزول للبر للإعانة، ولم يوافقهم الباي، وقع من بعض الأوباش من سفلة العامة التي إذا اجتمعت ضرت وإذا افترقت نفعت، وفيهم جم غفير ممن له رغبة في فتنة تقع في البلاد لفائدة تخصه، وحرك بعض الصبيان لخطف شيء من ثياب بعض اليهود قرب باب البحر، فطار إليه الخبر وهو بالدريبة، فخرج في الحين راجلا ومعه غالب الضبطية إلى باب البحر، وتمكن ببعض الصبيان وأنفار من الذين انخرطوا في سلكهم وأتى بهم للدريبة وحكّم في أبشارهم الضرب بالعصي أمام الدريبة في شارع المارة، ليرى مبصر ويسمع واع. وبات تلك الليلة يدور في البلاد راجلا وملأ السجن من هؤلاء، ومنهم من أعاد له الضرب. وكان الضرب يومئذ محجورا، فكاتب الباي بأنني الآن أضرب بالعصا على خلاف القانون، ارتكابا لأخف الضررين، وأنا بين يديك غدا والآن. وأنجى الله هذه الحاضرة على يد هذا الشريف من نهب وسفك دماء، وسفن الفرانسيس بشاطئها ويعلم الله ما وراء ذلك. ومن الغد شكره كل ساكن في البلاد من أهلها ومن غيرهم، وشكره الباي ورجال دولته. ولو لم يكن له من المآثر إلا هذه لكفته في دينه ودنياه)

وقد وصفه المؤرخ ابن أبي الضياف بأنه:“شهمٌ حازم، نقي العرض، نزيه النفس عن المطامع، عالي الهمة، يقدم المصلحة العامة على الخاصة، وله من الصفات ما يرفع قدره في الدنيا والآخرة.