أطباء
المرحوم الدكتور يوسف كريفة
طبيب الفقراء، وخادم الوطن والإنسان
وُلد المرحوم الدكتور يوسف كريفة يوم 18 جانفي 1940 بمدينة مساكن، تلك المدينة التي ظلّ وفيًّا لها حتى آخر أيامه، فكان أحد أركانها الإنسانية والطبية، ورمزًا من رموز العطاء والتطوّع.
التكوين العلمي
نشأ المرحوم الدكتور يوسف كريفة في كنف أسرة محافظة بمدينة مساكن، حيث حفظ القرآن الكريم في صغره، وتلقّى تعليمه الابتدائي بمدرسة بطحاء السوق، وهي من المدارس العريقة التي أسهمت في تكوين أجيال من أبناء الجهة علميًا وأخلاقيًا، فكان لذلك الأثر البالغ في ترسيخ قيم الإيمان والانضباط وخدمة الناس في شخصيته ومسيرته اللاحقة
تلقّى تعليمه الثانوي بـمعهد الصادقية بخزندار حيث تحصّل على شهادة البكالوريا، ثم واصل دراسته الجامعية بـكلية الطب بمونبلييه – فرنسا وخلال مسيرته الجامعية، حظي الدكتور يوسف كريفة بتأطير علمي رفيع المستوى، إذ كان من بين تلامذة وأقرب المقرّبين من البروفيسور كريستيان بينيزك، أستاذ الطب المرموق وعميد كلية الطب بمونبلييه بين سنتي 1965 و1972. وقد عُرف هذا الأخير بدوره البارز في تحديث التعليم الطبي وتعزيز البحث العلمي، وبصرامته الأكاديمية المقترنة بروح إنسانية عالية في الإشراف. وكان لهذا التكوين، القائم على الثقة والقرب العلمي، أثرٌ بالغ في صقل شخصية الدكتور يوسف كريفة المهنية وترسيخ قيم الانضباط والالتزام العلمي التي لازمته طوال مسيرته الطبية، ليتخرّج طبيبًا سنة 1968 بعد مسيرة علمية متميّزة بدأت منذ أواخر الخمسينات، وعاد إثرها إلى أرض الوطن لخدمة شعبه.
الخدمة العسكرية والعمل الوطني
تميّز الدكتور يوسف كريفة بروح وطنية عالية، إذ كان أول طبيب تونسي يؤدّي واجبه العسكري عن طواعية، وقد أدّاه بالصحراء سنة 1970، مجسّدًا معنى الانضباط والتضحية وخدمة الوطن دون تردّد أو تمييز.
المسيرة المهنية والإنسانية
في بداية السبعينات، كان من الأطباء التونسيين الأوائل الذين اشتغلوا بـمصحة المناجم بالمتلوي، حيث قضى قرابة خمس سنوات في علاج العمّال والمرضى في ظروف صعبة، مقدّمًا نموذجًا للطبيب الملتزم اجتماعيًا وإنسانيًا.
سنة 1975، اختار العودة والاستقرار بمسقط رأسه مساكن، رافضًا بريق المدن الكبرى وامتيازاتها، ليكون طبيب الفقراء وطبيب الشعب. فتح عيادته الخاصة بمساكن، كما فتح عيادة بسوسة، غير أنّ قلبه ووقته كانا دومًا لأهل مدينته.
عالج عشرات الآلاف من أبناء مساكن وضواحيها، وكان قريبًا من الناس إلى حدّ الألفة، يدخل بيوتهم بلا استئذان، ويواسيهم قبل أن يداويهم. لم يكن طبيبًا فحسب، بل أخًا وأبًا وناصحًا، وساهم بفاعلية في إرساء الطب الحديث بالمدينة، وفي مقاومة الآفات الاجتماعية بروح إصلاحية هادئة وحكيمة.
صفاته وأثره
عرفه الجميع بتواضعه ونزاهته وحسن خلقه، وبسيارته (ميهاري الـسيتروان )التي اقتناها منذ سنة 1970، والتي ظلّ يستعملها قرابة تسعة أشهر من كل سنة في تنقّلاته لخدمة مرضاه، في مشهد يومي يعكس بساطته واستمرارية عطائه.
العائلة والذرية
رحل الدكتور يوسف كريفة تاركًا ذرية صالحة، منهم طبيب ومحاميان وقاضية، فكان قدوة في عمله كما كان قدوة في تربية أبنائه، وغرس فيهم قيم الخدمة والالتزام والمسؤولية.
الوفاة
توفّي رحمه الله يوم الجمعة 27 نوفمبر 2020، ودُفن بمسقط رأسه مساكن، بعد حياة حافلة بالعطاء الإنساني والتطوّع وخدمة الوطن والناس.
رحم الله الدكتور يوسف كريفة، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وجزاه عن أهل مساكن وتونس خير الجزاء.



الدكتور محمد بن الطيب بن محمّد بن عبد الكريم
(مولود في 26 جانفي 1943 – مساكن)
وُلد الدكتور محمد بن الطيب بن محمد بن عبد الكريم بمدينة مساكن يوم 26 جانفي 1943، ونشأ في كنف أسرة محافظة غرست فيه حبّ العلم وخدمة الناس. حفظ القرآن الكريم في صغره، وتلقّى تعليمه الابتدائي بمدرسة بطحاء السوق لمدّة ثلاث سنوات، ثم واصل دراسته بمدرسة المحطة أربع سنوات، ليُتمّ مرحلته الثانوية بالمدرسة الصادقية بخزندار، حيث برز بنبوغه واجتهاده.
التحق بكلية الطب في إطار أوّل دورة لكليات الطب بتونس في أكتوبر 1963، وكان من تلاميذ الأستاذ الدكتور عمر الشاذلي، أحد أعلام الطب في تونس، فتشرّب منه قيم الانضباط العلمي وأخلاقيات المهنة. أدّى واجبه الوطني بالخدمة العسكرية سنة 1973، ثم باشر مسيرته الطبية اختصاص الطبّ الباطني، حيث عمل أربع سنوات بالمستشفى الجامعي شارنيكول بتونس، وقدّم أطروحته لنيل الدكتوراه سنة 1975.
عاد بعد ذلك إلى مسقط رأسه وفاءً لأهله ومدينته، فالتحق بقسم الأطفال بالمستشفى الجامعي فرحات حشاد بسوسة، حيث عمل خمسة عشر عامًا إلى جانب الأستاذ الدكتور عبد المجيد رزق الله، مساهماً بعلمه وخبرته في رعاية الأجيال الصاعدة، ومشهودًا له بالكفاءة والإنسانية وحسن المعاملة، خاصّة مع الفقراء وذوي الدخل المحدود، إذ كان يعتبر الطب رسالة قبل أن يكون مهنة.
وبجانب عمله الطبي، انخرط في الشأن العام المحلي، فشغل خطة نائب أوّل برئيس المجلس البلدي بمساكن لمدّتين نيابيتين متتاليتين من 1980 إلى 1990، حيث عُرف بالنزاهة، والالتزام بخدمة الصالح العام، والقرب من مشاغل المواطنين.
و التحق بقسم الأطفال و مسؤول على الأطفال بقسم التوليد بمستشفى مدينة مساكن سنة 1995 إلى سنة 2010.
في غرة جانفي 1976، فتح عيادته الخاصة بمدينة مساكن، لتكون أوّل عيادة طبية خاصة بالمدينة، ولا تزال إلى اليوم قبلة للمرضى، ومثالًا للطبيب القريب من الناس، الساعي إلى التخفيف من آلامهم، غير متوانٍ عن أداء واجبه الإنساني والمهني.
وعلى الصعيد الأسري، تزوّج من زوجته الفاضلة فتحية بنت عبد السلام كريفة، القابلة المعروفة بتفانيها وإنسانيتها، فكانت خير سند له في مسيرته، وشريكته في قيم العطاء وخدمة المجتمع. وقد رزقهما الله ذرية صالحة، كوّنها على حبّ العلم والعمل، فمنهم الأطباء، والمحامي، والمحاسب الأوّل، فكانوا امتدادًا مشرفًا لمسيرة العطاء والعلم.
ولا يزال الدكتور محمد بن الطيب إلى يومنا هذا مباشرًا لمهنته، مثالًا للطبيب الإنسان، والعالم المتواضع، وركنًا من أركان مدينة مساكن.
أطال الله عمره، وحفظه في أهله وذريته، وجزاه خير الجزاء على ما قدّم وما يزال يقدّم، وجعل عمله في ميزان حسناته. آمين.


