أهل العدالة
المرحوم الحاج أحمد جرّاد (1865 – 1955)
وُلد المرحوم الحاج أحمد جرّاد سنة 1865 بمدينة مساكن، ونشأ في بيئة محافظة تُعلي من شأن العلم والدين. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم التحق بـجامع الزيتونة المعمور بتونس حيث واصل تحصيله العلمي والشرعي، وتحصّل على درجة التحصيل سنة 1887، بما عُرف عنه من جدّ واجتهاد واستقامة.
بعد إتمام دراسته، مارس مهنة شاهد عدل بمدينة المرسى، فكان مثالًا في النزاهة والدقة وتحري الحق، لا يبتغي في عمله إلا ما يرضي الله، ملتزمًا بروح العدل والأمانة، ومحلّ ثقة الناس واحترامهم.
عاد إلى مسقط رأسه مساكن سنة 1916، ليواصل ممارسة مهنته بين أهله وناسه، محافظًا على نفس الخصال التي عُرف بها: الصدق، والإنصاف، والدقة في الشهادة، والبعد عن الهوى، فكان مرجعًا في الحقوق وموضع تقدير في المجتمع المحلي.
ظلّ المرحوم الحاج أحمد جرّاد على هذا النهج القويم إلى أن وافته المنية سنة 1955 بمسقط رأسه مساكن، تاركًا سيرة طيبة وإرثًا أخلاقيًا ومهنيًا يُحتذى، وشاهدًا على أن خدمة العدل عبادة، وأن الإخلاص في العمل هو السبيل إلى الذكر الحسن.

القاضي محمد بن أحمد كريفة (1898 – 1988)
يُعدّ القاضي محمد بن أحمد كريفة المساكني من أبرز رجالات القضاء بمدينة مساكن خلال القرن العشرين، وقد جمع في مسيرته بين الصرامة المهنية والخلق الرفيع، وبين دقة النظر في القضايا والبحث الدائم عن تحقيق العدل، فاستحق احترام معاصريه وثقة كل من عرفه وتعامل معه.
وُلد سنة 1898 في وسط عائلي محافظ عُرف بالاستقامة وخدمة الشأن العام؛ إذ كان والده الشيخ أحمد من رجال الدين الذين اشتغلوا بالعدالة والتوثيق، بينما كان جدّه عمر ضابطًا ساميًا في الجيش النظامي التونسي، ومن مساعدي الفريق حسن المقرون عندما كان رئيسًا على ضابطية العاصمة. وبعد إحالته على التقاعد عاد إلى مساكن وباشر العمل في مجال العدالة إلى جانب ابنه.
تلقى محمد كريفة تعليمه الأول في المكتب العربي الفرنسي، ثم واصل دراسته بالمدرسة الصادقية بتونس، حيث تميّز بذكائه وحدة ملاحظته واجتهاده العلمي، وكان من بين زملائه في تلك الفترة الشاب الحبيب بورقيبة. ثم التحق بسلك الحقوق، وعند تخرّجه انتُدب قاضيًا بعدة جهات من البلاد.
وفي مسيرته القضائية تدرّج بثبات من رتبة إلى أخرى، حتى بلغ أعلى المراتب بتوليه خطة مدّعٍ عام بمحكمة التعقيب، وهو منصب يعكس ما كان يتمتع به من كفاءة قانونية عالية ونزاهة صارمة. وبعد تقاعده اتجه إلى ممارسة المحاماة بمدينة سوسة، مواصلًا أداء رسالته في الدفاع عن الحق وإعلاء سيادة القانون.
وقد عُرف المرحوم بين معارفه وزملائه بدقة النظر في الملفات، وقوة الملاحظة، وحسن الخلق، والتواضع الجم، إضافة إلى حرصه على الإنصاف ونفوره من الظلم، وهو ما جعل اسمه مقترنًا بصورة القاضي العادل الوقور. كما ظلّ وفيًّا لمسقط رأسه مساكن، معتزًا بأهلها، قريبًا من قضاياهم، ومحبًّا لمدينته التي بقيت حاضرة في وجدانه إلى آخر أيامه.
توفّي بمساكن فجر يوم 19 أكتوبر 1988 إثر نوبة قلبية، وشُيّعت جنازته إلى مقبرة أسلافه بمقبرة الشيخ العذاري، حيث وُوري الثرى في موكب مهيب، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
وقد خلّف من بعده ابنًا مختصًا في الطب الباطني وثلاث بنات مثقفات، امتدادًا لمسيرته في خدمة العلم والمعرفة.
رحم الله القاضي محمد بن أحمد كريفة رحمة واسعة، وجزاه عن ما قدّمه للعدل والوطن وأهله خير الجزاء، وأبقى ذكره الطيب في ذاكرة مساكن وأبنائها اميين.
المصدر:المدخل إلى تاريخ مساكن


الشيخ عمر محجوب قاضي القضاة وحارس الاعتدال الديني في تونس
يُعدّ الشيخ عمر بن قاسم محجوب (1137هـ–1222هـ / 1724م–1807م) أحد أعلام الفقه المالكي في تونس خلال القرن الثامن عشر، وقاضياً كبيراً وشاعراً وأديباً، بلغ منزلة رفيعة في العلم والقضاء والخطابة، حتى تولّى منصب قاضي الجماعة والإمامة بجامع الزيتونة، وكان مرجعاً في الفتوى والتوثيق ومقاصد الشريعة.
نشأته العلمية وانتماؤه إلى مساكن
وُلد الشيخ عمر محجوب بمدينة مساكن، التي ظلّ يعتزّ بها ويفخر بالانتساب إليها رغم إقامته بالعاصمة تونس، ونشأ في بيت علم ووجاهة، فحفظ القرآن الكريم في الكُتّاب، وتلقّى علومه الأولى عن والده الشيخ قاسم المحجوب، ثم عن كبار علماء عصره مثل الشيخ حمودة بن عبد العزيز والشيخ الغرياني.
وبرع في علوم الفقه، والتوثيق، والمعقول والمنقول، إلى جانب الأدب والشعر، حتى صار أستاذاً يُقصد، وتتلمذ على يديه أعلام كبار من بينهم الشيخ إبراهيم الرياحي الذي كان يُثني عليه طويلاً، والشيخ إسماعيل التميمي وغيرهما.
وقد وصفه المؤرخ محمد مخلوف في شجرة النور الزكية بأنه:
«قاضي الجماعة أبو حفص عمر… الإمام العلامة… الفقيه البارع في المعقول والمنقول، الماضي القلم».
في القضاء والدولة
تقلّد الشيخ عمر خطة القضاء، ثم منصب قاضي الجماعة، وتولّى الخطابة والإمامة بجامع الزيتونة، وكان محلّ ثقة أمراء عصره، وعلى رأسهم حمودة باشا باي، الذي اعتمد عليه في المكاتبات الرسمية وخطاب الملوك لما عُرف به من بلاغة وبيان ورجاحة عقل.
كما ترك مراسلات شعرية وأدبية في التهاني والرثاء، ومنها قصائد في إعلان ثبوت هلال رمضان، وفي تهنئة كبار رجال الدولة، ورثاء كبار المفتين والعلماء.
دوره في ترسيخ الإسلام الوسطي ومواجهة التطرف
يبرز الشيخ عمر المحجوب في التاريخ الديني التونسي باعتباره من رموز الدفاع عن الإسلام المالكي الوسطي القائم على المقاصد والاعتدال، ومن أبرز من واجهوا فكرياً الدعوة الوهابية في القرن الثامن عشر.
فقد ألّف رسالة خاصة بعنوان:
«رسالة في الرد على محمد بن عبد الوهاب»،
نُشرت ضمن كتاب إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، وفيها ناقش مسألة تكفير المسلمين بسبب زيارة القبور أو التوسل، ورفض إطلاق أحكام الشرك على عموم الأمة، وبعث رسائل في هذا الموضوع إلى أقاليم عربية وإسلامية عدّة.
ويمثّل هذا الموقف دليلاً واضحاً على انخراطه في حماية وحدة المجتمع الديني، ومقاومة النزعات الإقصائية، وترسيخ تقاليد الفقه المالكي التي سادت في تونس قروناً بوصفها إطاراً للاعتدال والتعايش.
ثناء المؤرخين عليه
أجمع المؤرخون على رفعة منزلته العلمية والأخلاقية، فقال عنه أحمد بن أبي الضياف في إتحاف أهل الزمان:
«وكان هذا الإمام علماً في سائر الفنون… عظيماً ماضي الهمة، حسن الأخلاق، وفياً».
كما وصفه بأنه فقيه وجيه عفيف ذو وقار.
وفاته وأثره
توفي الشيخ عمر المحجوب في محرّم سنة 1222هـ / 1807م، ودُفن في جبل المنار، بعد حياة حافلة بالقضاء والعلم والتأليف وخدمة الدولة والمجتمع.
وقد خلّف تراثاً علمياً وأدبياً، ورسائل فقهية وفكرية تشهد بدوره الإصلاحي في زمن التحولات الكبرى في العالم الإسلامي.
رحم الله الشيخ عمر محجوب رحمة واسعة، وجزاه عن تونس ومساكن خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وحفظ ذريته وجعلهم امتداداً مباركاً لسيرته العلمية والوطنية.
المصادر
• المدخل إلى تاريخ مدينة مساكن
• ويكيبيديا – مادة: عمر المحجوب
• محمد مخلوف، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية
• أحمد بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان
• محمد وعلي النيفر، عنوان الأريب عما نشأ بالمملكة التونسية من عالم أديب
• محمد محفوظ، تراجم المؤلفين التونسيين
• معجم البابطين لشعراء العربية
• منير رويس، صفحات من تاريخ مساكن


