الأساتذة الجامعيون
الأستاذ الدكتور الطيب العشّاش رحمه الله
عاشق مدينة مساكن، وعالِم الأدب، ومربّي الأجيال
يُعدّ الأستاذ الدكتور الطيب العشّاش، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، من أعلام الجامعة التونسية في الأدب العربي القديم، ومن الوجوه العلمية التي جمعت بين صرامة المنهج، ونبل الخلق، وصدق الانتماء للمعرفة والإنسان. كان مثال الأستاذ الذي لا يتخذ العلم سلّمًا للوجاهة، بل رسالةً للتهذيب، والتحرير العقلي، وبناء الذات.
وقد كتب عنه صديقه المفكر محمد محجوب شهادة مؤثرة تفيض وفاءً وحنينًا، استعاد فيها نبرته “المساكنية” الدافئة، وعبارته التي كانت توقيع حضوره: «وين حيّك؟»، تلك الجملة التي تختصر تواضعه، وقربه من الناس، واعتزازه بأصوله وبمدينة مساكن التي ظلّ يحملها في صوته وروحه، أينما حلّ أو درّس.
كان رحمه الله يترفّع عن الألقاب الأكاديمية، وينفر من البهرجة العلمية، ساخرًا في لطف من تضخم المسميات، مؤثرًا أن يُعرَف بعمله لا بلقبه، وبأثره في طلبته لا بموقعه الإداري. وقد اجتمع حوله ثلّة من كبار المثقفين، فكان مجلسه فضاءً للعلم والشعر والنقاش الرصين، تُتلى فيه القصائد القديمة والحديثة، ويُستحضر فيه معنى الزمن والفناء بروح العارف الهادئ:
سيُعرض عن ذكري وتُنسى مودّتي
ويحدث بعدي للخليل خليلُ.
درس الأجيال في السبعينات بدار المعلمين العليا، حيث أشرف على تدريس مناهج الأدب وتاريخه، وكان خفيف الظل، قريبًا من قلوب طلبته، لا يُثقل عليهم بسطوة الأستاذ، بل يجذبهم بأسلوبه، ويزرع فيهم جوهر البحث العلمي: التدقيق، والتوثيق، والتحقيق، والتحقيب، والانتباه إلى المهمّشين من الشعراء، وإعادة قراءة التراث بعين نقدية يقظة.
وكان من أعمق ما غرسه في تلاميذه مبدآن متكاملان في ظاهرهما متعارضان:
أن يُقبِل الباحث على النص الأدبي بإجلال المتطهّر قبل الشعيرة،
وأن لا قداسة لأي نص أو قراءة سابقة، بل واجبُ الاطلاع مقرونٌ بروح نقدية صارمة، متأنية، متثبّتة.
آمن رحمه الله بأن التعليم أمانة أخلاقية قبل أن يكون وظيفة، وأن الأستاذ الحقيقي هو من ينظر إلى إنتاج طلابه بعين الأب والأم، فيشجّع، ويثمن، ويدفع نحو الإبداع بدل الإحباط. وقد ظلّ يستحضر تجربة طفولته حين قُوبل بعض إنتاجه المدرسي بفتورٍ جارح، تجربة لم تمحها المناصب ولا الأبحاث، فصاغ منها فلسفة تربوية إنسانية جعلت منه مربّيًا قبل أن يكون عالمًا.
وعلى غزارة علمه، كان زكيّ النفس، عفيف السيرة، كريم الطباع، بعيدًا عن أبواب السلطان، لا يلهث وراء المناصب الشكلية، ولا يبيع العلم في سوق المجاملة، فصان عرض المعرفة، وحمى شرف الجامعة، وبقي مثال الباحث الحرّ الذي لا يقول إلا ما يعتقده حقًا.
وفي ميدان التأليف، ترك بصمة علمية راسخة، من أبرزها كتابه:
«ديوان أشعار التشيّع إلى القرن الثالث/التاسع»
صدر ببيروت عن دار الغرب الإسلامي سنة 1997 في 492 صفحة، وهو عمل مرجعي في دراسة الشعر الشيعي المبكر، يعكس عمق اطلاعه ودقته المنهجية.
كما شارك في تحقيق ودراسة التراث، ومن ذلك عمله حول ابن زيدون بالاشتراك مع جعفر ماجد، الصادر عن الشركة التونسية للتوزيع سنة 1980.
رحم الله الأستاذ الدكتور الطيب العشّاش رحمة واسعة، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وجزاه عن طلبته وعن الجامعة وعن الثقافة العربية خير الجزاء.
رحل الجسد، وبقي الأثر، وبقيت محبته لمدينة مساكن شاهدة في نبرته وذكراه، وبقي اسمه مقرونًا بالعلم النزيه، والتواضع الصادق، والوفاء للرسالة.
اللهم اغفر له، وارحمه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجزه عن تلاميذه وأمته أحسن الجزاء، واجعل ذكراه نورًا في سجل العلماء الصادقين آمين .
المصدر : صفحة أساتذة اللغة العربية بالجمهورية التونسية





الدكتور فرج إبراهيم
مسيرةٌ تُجسّد توازن العلم والعمل والرياضة والفن
من أبناء مدينة مساكن الأوفياء، وُلد الدكتور فرج إبراهيم يوم 07 جوان 1960، ونشأ على قيم الجدّ والاجتهاد والانضباط، فصنع لنفسه مسيرةً متميّزة تجمع بين طلب العلم، والعمل التربوي، والتكوين المتواصل، والرياضة، والفنّ الرفيع في الخط العربي.
مسيرة علمية راسخة
بدأ تعليمه في المدرسة الابتدائية بالحي الشمالي بمساكن، ثم واصل دراسته بالمعهد الفني عثمان الشطي. وبعد أن عمّق معارفه الشرعية والعلمية بالكلية الزيتونية للعلوم وأصول الدين، واصل التخصص والبحث إلى أن تُوّج مساره بالحصول على الشهادة الوطنية للدكتوراه في الجماليات الإسلامية سنة 2018.
عملٌ وتربيةٌ وخدمة للمؤسسات
اشتغل الدكتور فرج إبراهيم في مجال التربية والتعليم بعدة مؤسسات، وترك أثرًا طيبًا في محيطه المهني، من بينها:
• المعهد الثانوي بالساحلين
• المدرسة الإعدادية المركزية بسوسة
• معهد الفنون الجميلة بسوسة
• المعهد العالي لأصول الدين
• المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات بسوسة
كما خاض تجربة مهنية مهمة في إطار التعاون الفني بسلطنة عمان في التعليم الثانوي وتدريس التربية الإسلامية والمدنية.
وفي مساره الأكاديمي الحالي، يُعدّ:
• أستاذ فنّ الخط بالمعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات بالمهدية
• أستاذ فنّ الخط بالمركز الوطني لفنون الخط بتونس
فكرٌ نقدي وجماليةٌ تُحاور التاريخ
يقدّم الدكتور فرج إبراهيم في كتابه وبحثه الأكاديمي نموذجًا للباحث-الفنان: لا يكتفي بالعرض، ولا يكتفي بالنقل، بل يقتحم الأسئلة الجمالية والفكرية بجرأة محسوبة، مستندًا إلى حسّ فنيّ مرهف وتمكّنٍ من الصنعة.
وفي هذا المسار، يبدو فرج إبراهيم “رحّالةً” في عالم الخط: ينتقل بين تاريخ الحرف وحضاراته وثقافاته، ويستنطق أسرار التشكيل وآليات البناء، ويقارن بين مناهج وأنساق متباينة مع صعوبة المزج بينها. كما يناقش نقديًا أطروحات الاستشراق ذات الخلفية الاستعمارية، ساعيًا إلى تثبيت نهج عربي إسلامي أصيل غير مُسقَط، ويفجّر المعنى من “معينه الذاتي” دون الاتكال على الأخبار وحدها.
ويتميّز خطابه العلمي ببلاغة الفنان: تلميحٌ أكثر من تصريح، وأسئلةٌ مؤسسة أكثر من إجابات جاهزة، بما يفتح أبوابًا لميادين بحث جديدة تحتاج التدقيق والتطوير.
(بتقديم: د. فرج الغضّاب)
الرياضة: مدرسة الانضباط والقيادة
لم تكن الرياضة عنده مجرد هواية، بل كانت طريقًا لصناعة الإرادة:
• بدأ بكرة القدم في الحومة والمدرسة، ولعب مع النادي الهلال الرياضي بمساكن.
• سنة 1973 انطلق في الجودو وشارك في بطولات محلية ووطنية.
• سنة 1978 واصل طريقه في الكاراتي حتى نال الحزام الأسود درجة ثالثة (DAN 3).
• منذ 1985 ساهم في نشر الكاراتي بمدينة مساكن تدريبًا وتأطيرًا، وتخرّج على يديه العديد من الأبطال من فئات الأشبال والشبان.
كما ارتبطت تجربته الرياضية بالإشراف الفني داخل المؤسسة العسكرية، وتحصل كذلك على الحزام الأسود درجة أولى (DAN 1) في مسار آخر.
الخط العربي: ذوقٌ وهوية ورسالة
لأن الجمال أيضًا تربية، فقد جعل الدكتور فرج إبراهيم من الخط العربي رسالة علمٍ وهوية. أشرف على إعداد برامج في قواعد الخط، وشارك في دورات متعددة في أنماط مختلفة مثل: الثلث، الإجازة، الكوفي، الديواني، الفارسي، والطغراء، وأنجز أعمالًا فنية ومعارض ولافتات ونقوشًا، وشارك في أنشطة ثقافية داخل تونس وخارجها.
أساتذته:
المرحوم يوسف ذنون (العراق) – حسن جلي (تركيا) – محمود أحمد حسن ومحمد المغربي (مصر) – محمد إبراهيم المصري (ليبيا).
انفتاح ولغات وسفر
زار عدة بلدان في أوروبا والعالم العربي، ويتقن عدة لغات، من بينها: العربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية والتركية والألمانية، بما يعكس روحًا محبة للتعلم والانفتاح.
شهادة إنسانية
ويشهد له صديقه جمال دورة أنّ الدكتور فرج إبراهيم رجلٌ طيّبٌ متواضع، وطنيُّ الحسّ، بشوشُ المحيّا قريبٌ من الناس، لا يطلب الأضواء ولا يتعالى على أحد، ويجعل المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة؛ لذلك احترمه من عرفه وأحبّه من خالطه.
ختامًا، نسأل الله تعالى أن يبارك في الدكتور فرج إبراهيم، وأن يرزقه الصحة والعافية وطول العمر، وأن يحفظ له ذريته الصالحة ويجعلهم قرة عينٍ له، ويوفقهم لكل خير، ويديم عليهم نعمة الستر والنجاح آمين .
المصدر: الدكتور فرج إبراهيم، وتقديم د. فرج الغضّاب.



























